مار يوسف عما نوئيل الثاني توما 1900 ـ 1947 في سطور
(بطريرك بابل على الكلدان في العالم)




ولد في القوش في 30 نموز 1852 ،ولدى ذهاب البطريرك يوسف اودو سنة 1869 إلى روما للاشتراك في المجمع الفاتيكاني الأول. اخذه معه إلى لبنان وادخله مدرسة الآباء اليسوعيين في الغزي، وعا إلى بلاده سنة 1879 ـ في 10 تموز 1879 رسم كاهنا وعين امين سر لدى البطريرك ، إيليا عبو اليونان ، وكلف بإدارة مدرسة استحدثتها الطائفة في الموصل، ومديرا للأكليركية البطريركية التي افتتحت حديثا في الموصل، وكان يلقي ايضا دروسا في مدرسة الآباء الدومنيكان، واسس جمعية الرحمة لمساعدة الأيتام و الفقراء، وفي نحو سنة 1890 رسم خوراسقفا، ورافق البطريرك .في رحلة إلى الغرب لزيارة البابا لاون الثالث عشر، وهناك تم تعيينه اسقفا لأبرشية سعرد في 4 ايلول 1890، وجرت رسامته في 24 تموز 1892 في الموصل مع ارميا (طيموثاوس) مقدسي اسقف زاخو،ودعي اسمه يوسف عمانوئيل توما، وقام برحلة إلى الغرب لجمع المساعدات لأبرشيته المحتاجة، واسس في سعرد مدرسة اسهمت في إنعاش الأبرشية، وحينما توفي البطريرك عبد يشوع خياط في بغداد في 6/11/1899 عقد الأساقفة مجمعا في الموصل في 9 تموز 1900 اسفر عن انتخاب يوسف عمانوئيل بطريركا، ونصب في 24 تموز وثبت في17 ايلول 1900 ونال الفرمان السلطاني في 26/12/1901، بعد جهد جهيد وتدخل جهات عديدة ، اما موقفه ابان الحرب الكونية الأولى فقد اتسم بالمحبة و الرحمة والسخاء الأنجيلي فوزع امواله على الفقراء وساعد اللآجئين وافتدى الأسرى، وبذلك اكتسب إعجاب السلطات وتقديرها ونال منها الفو عن كثيرين ، وبعد الحرب توجه إلى اوروبا لشرح قضية الفقراء و المهاجرين، واسس مدارس عديدة وجدد دير مار اوراها القريب من باطنايا، وكانت له مواقف وطنية مشهودة ابان تكوين العراق وتعيين الحدود الدولية، واعترفت له الحكومة العراقية بهذا الفضل فعينته عضو في مجلس الأعيان، توفي في الموصل في 21 تموز 1947 عن عمر يناهز الخامسة و التسعين و بشيخوخة جليلة، ودفن في كاتدرائية مسكنتة في الموصل.


الأحد، 16 أغسطس 2020
البطريارك يوسف عمانوئيل الثاني 1900-1947
ا.د. ابراهيم خليل العلاف

*****



البطريارك يوسف عمانوئيل الثاني 1900-1947 ا.د. ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس -جامعة الموصل

منذ خمسين سنة ، وانا مهتم بالتوثيق لهذا الرجل الكريم ولبصماته الواضحة في تاريخ الموصل الحديث ، وعندما شرعت بتأليف كتابي ( نشاة الصحافة العربية في الموصل ) ، وكتبت عن صحف الموصل في العهد العثماني ، والاحتلال البريطاني، وتشكيل الدولة العراقية الحديثة ، كان إسم البطريارك مار يوسف عما نوئيل الثاني بطريرك الكلدان في الموصل يتردد أمامي كثيرا .
ومما نقلته عن هذا الرجل ، أنه كان محترما ، وله مكانة كبيرة عند السلطانين العثمانيين الاخيرين السلطان عبد الحميد الثاني 1876 -1909 وعند السلطان محمد رشاد 1909 -1914 ، وانه حظي بمقابلتهما ، وانه نال الكثير من الاوسمة منهما . ومن ذلك كما يقول احد معاصريه وهو المرحوم عبد دنو عندما قابله الكاتب والباحث الاستاذ نبيل دمان في سنة 1992 ، الوسام العثماني من الدرجة الاولى ، وهو عبارة عن قطعة ابعادها 4 في 4 إنج توضع فوق النطاق، وهي مرصعة بأثمن الأحجار والمعادن بالإضافة الى امتياز سلطاني خاص وبراءة سلطانية.
انتحب يوسف عمانوئيل بطريركا، ونصب في 24 تموز سنة 1900 وثبت في17 ايلول سنة 1900 وصدر الفرمان السلطاني بتنصيبه بطرياركا للكلدان في 26 كانون الاول سنة 1901 .
كان موقفه ابان الحرب العظمى وهي الحرب العالمية الاولى 1914-1918 قد اتسم بالمحبة ، و الرحمة والسخاء ، فوزع أمواله على الفقراء ، وساعد اللاجئين ، وافتدى الأسرى، وبذلك اكتسب إعجاب السلطات العثمانية في حينه ونال تقديرها وتقدير الناس ، وبعد الحرب توجه إلى اوروبا لشرح قضية الفقراء و المهاجرين ومنهم الارمن ، وأسس مدارس عديدة ، وجدد دير مار اوراها القريب من باطنايا ، وكانت له مواقف وطنية مشهودة ابان تكوين العراق وتعيين الحدود الدولية مع جيرانه الشماليين ، واعترفت له الحكومة العراقية بهذا الفضل ، فعينته عضوا في مجلس الأعيان ، توفي في الموصل في 21 تموز 1947 عن عمر يناهز الخامسة و التسعين و بشيخوخة جليلة ، ودفن في كاتدرائية مسكنتة في الموصل.
يروي المرحوم عبد دنو بعض ذكرياته عن البطريارك يوسف عمانوئيل ، ومنها انه كان رجلا وطنيا ، وكان يؤيد تشكيل حكومة عربية في بغداد برئاسة احد انجال الشريف الحسين بن علي شريف مكة وكان لايود الانكليز المحتلين كثيرا ، وكانت علاقته بالمس بل السكرتيرة الشرقية لدار المندوب السامي البريطاني ليست على مايرام بسبب سياسة بريطانيا الاستعمارية وادارتها الفاشلة للعراق والتي ادت الى نشوب الثورة العراقية الكبرى 1920 .
ومن هنا فإن البطريارك عما نوئيل كان يجاهر بهذا الموقف لذلك تحاملت عليه المس بل وغضب الانكليز عليه حتى انهم قرروا نفيه وقابلته المس بل لمدة ثلاثة ارباع الساعة وبعد يومين من مقابلته صدرت الاوامر بنفيه ووصلت مقر البطريركية سيارتين نوع ( موريس ) محملتين بحراس هنود سيخ ليأخذوا البطريارك مار عمانوئيل . وقد كان للبطريرك مجموعة تقوم بخدمته جلبها معه من سعرد( تركيا) عندما كان مطراناً لأبرشيتها سنة 1895، ولم يوافق الانكليز ان يصطحب معه سوى شخص اسمه يعقوب ، وعند مغادرته الموصل احتشد الناس مسلمين ومسيحيين عند ماكنة ( بيت الحطّاب ) بين باب سنجار وباب البيض لتوديعه وهم يذرفون الدموع السخية، ومكث في المنفى ثلاث سنوات في واحدة من المستعمرات الانكليزية, وعند عودته من المنفى خرجت الموصل عن بكرة ابيها بالسيوف والبنادق والخيول والهوسات ، وفي مقدمتهم اشراف الموصل ومنهم من آغوات باب البيض وغيرهم لتحيته، والقى الاستاذ خير الدين العمري صاحب جريدة ( النجاح) الموصلية ورئيس بلدية الموصل (1933-1949 ) خطاباً بالمناسبة بعدها توجه البطريارك يوسف عمانوئيل ليصلي في كنيسة مسكينتا. وقد حظي باحترام الحكومة فعينته كما قلت آنفا في مجلس الأعيان سنة 1925 واستمر كذلك حتى وفاته سنة 1947
كان البطريارك عما نوئيل ، من اوائل الذين بايعوا الملك فيصل الاول عند تتويجه يوم 21 اب سنة 1921 وحتى منذ ترشيحه من قبل المؤتمر العراقي العام الذي انعقد بدمشق سنة 1920 وفي الوقت الذي لم يتجرأ الكثيرون ممن كانوا يدعون انهم عروبيون وقوميون على المجاهرة بموقفهم من فيصل أيد البطريارك عما نوئيل الملك فيصل ، وايد الوزارة العراقية الاولى التي تشكلت برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني نقيب اشراف بغداد ، ووقع ( مضبطة ) بذلك وارسلها الى بغداد .
في كتابي الذي اشرت اليه قبل قليل وهو كتاب (نشأة الصحافة العربية في الموصل ) ، والذي اصدرته سنة 1982قلت ان المسيحيين الموصليين تحمسوا للحريات التي اطلقها الدستور العثماني لسنة 1908 ، وقلت ان البطريارك الكلداني مار يوسف عما نوئيل الثاني زار اسطنبول اثر خلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1909 ، وكان ذلك في 10 تموز سنة 1909 اي بعد سنة من انقلاب سنة 1908 .وقد رافقه وفد كبير يتألف من الاستاذ حنا زبوني والقس يوسف غنيمة والقس داؤد رمو وعبد الكريم الموصلي والقس توما وانضم للوفد في استنبول داؤد يوسفاني مبعوث اي نائب الموصل في مجلس المبعوثان اي البرلمان العثماني وقد التقى الوفد بالسلطان محمد رشاد اي محمد الخامس والقى البطريارك عما نوئيل كلمة طلب فيها وجوب ما اسماه ( تعميم الامن ، والعدالة ، وانبعاث اشعة الحرية من شمس المشروطية الى جميع الاصقاع سيما البعيدة ومنها الموصل ) .
وقد أجابه السلطان بالقول :" إن جميع التبعة العثمانية ، هم في مركز واحد ...بغض النظر عن المذهب والدين ... وان جميعهم يستفيدون من المشروطية " . وطلب السلطان محمد الخامس تبلغ سلامه الى جميع الكلدان في الموصل " .
وفي الصورة التي ترونها الى جانب الكلام الملك فيصل الاول ملك العراق 1921-1933 مع البطريارك يوسف عما نوئيل الثاني ، والى يساره البطريارك الخوري يوسف خياط وعدد من القسس والرهبان . ومناسبة الصورة قيام الملك فيصل الاول بزيارة ( دير مار اوراها ) شمال مدينة الموصل سنة 1931
في الموقع الرسمي لبطرياركية بابل للكلدان الالكتروني هناك مقال مهم بعنوان (مائة عام على رسالة البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني) ولم اجد اسم كاتبه للاسف ، وفيه ان هناك وثيقة تاريخية في المجمع العلمي الكردي في السليمانية هي عبارة عن رسالة كتبها البطريارك يوسف عمانوئيل الثاني بطريرك بابل (1900 ـ 1947 (وجهها الى رعيته في ( كنيسة الكلدان) بمدينة السليمانية تتعلق بطلبهم في الرابع عشر من اذار سنة 1914 تغيير الكاهن وجاء فيها بالنص :
بطريركية بابل الكلدانية
يوسف عمانوئيل الثاني
بطريرك بابل
(حضرة ابنائنا الاعزاء الخواجات عبد الكريم علكة ورفقه المحترمين.( اخذنا مكتبوكم المرقم 14 الجاري وكل ما حررتم صار معلوما وعليه نقول: اننا بوقته سنعمل اللازم بخصوص ما كتبتم .. أما اصراركم على تبديل الكاهن الان ، فهذا ما لا نقبله منكم أيها الابناء الاعزاء ولا ننسى أن آبائكم وأجدادكم السعيدي الذكر، ما كان لهم هذه المداخلات في امور الرؤساء ، ولهذا السبب كان الله يبارك في كدهم ، وشغلهم. اقتدوا بهم ان كنتم تريدون بان الله يبارك في اموركم، وأنا انصحكم بهذه النصيحة حبا بخيركم ، وتقدمكم ونجاحكم نفسا وجسدا من الله نطلب لكم الموفقية في جميع اموركم، وعند الختام نبارككم ونبارك عائلاتكم المكرمة حرسكم الله . الموصل 28 اذار 1914)
و يبدو من دراسة الرسالة – كما يقول كاتب المقال في الموقع الرسمي لبطرياركية بابل للكلدان - أن البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني ، قدم وعداً لرعية السليمانية بتغير الكاهن، لكنه أعطى لهم درسا يتعلق بمفهوم ( دور الرعاة والرعية) ، ونجد العلاقة بين البطريرك ورعيته ، ليست علاقةً شخصيّةً تتحكم بها مصالح تتعلق بمصالحه الخاصة المهددة بالفشل، بل تتضمّن العلاقة الّتي يجب أن تربط الرّاعي برعيّته ، والتي تصبو الى تحقيق حياة الرعية فالراعي هنا هو بمثابة القائد الذي يعلم ٬ يوجه وينظم، وليس عمله شخصيًّا يبغي مجدًا ذاتيًّا، بل عمل الرّاعي هو عملٌ كنسيٌّ ورعويٌّ بامتياز. والمدبِّرٌ المنتخب من اعضاء (السينودس 2 ) ومُقامٌ من قِبَل السّلطة الكنسيّة العليا لرعاية شؤون الكنيسة واحتياجاتها، هو من يتحمّل المسؤوليّة الكاملةً أمام الله والرّعيّة وضميره بعد أخذ الآراء المتعدّدة ولكنّ القرار الأخير يكون له.
وفي نفس الوقت قدم لهم تحذير وتنبيه لتدخلهم بأمور كنسية وذكرهم بان اجدادهم ما كان لهم من هذه المداخلات، تلك العلاقة الكنيسة التي تحكم الراعي والرعية على حد سواء وليس كباقي العلاقات الاجتماعيّة أو العائليّة. والراعي والرعية يعرفا مفهوم الكرامة الشخصية وكيف يحبوا ويغفروا، وكيف ومتى يتنازلون عند الحاجة وكيف تكون المصلحة العامة أفضل من المصلحة الشخصية. كما دعاهم إلى أن يقتدوا بأجدادهم وقد جاء ذلك كله لكي يوفر الأرضية الصالحة لتحقيق غاية وجود الكنيسة. والرعية هنا جموع المؤمنين ٬ وهي أساس مادة الكنيسة وروحها ٬ وغاية وجودها وهدفها، والرعية تعيش وستعيش عصرها وبعدها باركهم، ولبى الجميع طلب البطريرك.
هذه هي سيرة البطريارك يوسف عمانوئيل وتلك هي مواقفه التي تنم عن حكمة وإقتدار وحرص على سلمية وروحية العلاقات بين الناس ... له الرحمة وجزاه الله خيرا على ماقدم لبلده وأهله .